ضيوف الموقع
 
 
 
ضيوفي، أصدقاء لي.. كتاباتهم تثير اهتمامي. اتفق بالرأي معهم في الكثير، وأختلف في القليل.. واختلافاتي معهم لا يخرج عن إطار وجهة نظر.
 
مائة عام على تأسيس المدرسة المحسنية
 
د.فاضل الأنصاري
( كلمة د.فاضل الأنصاري بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المدرسة المحسنية بدمشق وخمسين عاما على رحيل السيد محسن الأمين والذي أقيـم في المركز الثقافي العربي في المزة بدمشق، في 28/ 12 / 2002 )
أيها الكرام الأفاضل
ليأذن لي هذه الكلمات، عظيمٌ نحتفي، بذكراهُ .. تأصيلا لما له في نفوسنا من إكبار وسوية . وحسبيَ أن ارتقي إلى مدارجه، ببعض نبضِ عرفان لملامحَ رائدةٍ ، باهـرةٍ ، أخاذة .
فأنت، أنت، أيها السيدُ الجليلُ الأمين، ما زلت تحكم أفئدةَ الكثر، ممن يقرون بفضلك، وعلمك ، وجهادك .. ولن تطوي ذكراك، خمسون عاما على الفقد .. بل ولا مرِّ الدهور .
وإذ نستذكر أفذاذنا، فإننا ننهلُ من معين ثر لأحد الشوامخِ في تاريخنا، مما نحن بأمس الحاجةِ إليه في هذا الزمن الصعب. وانتم يا سادة أهدى في تباريك العلماء العظام .
ولا غرو، عندما تذكرُ مآثرُ أرض الشام ، فإن السيد محسن الأمين واحدةٌ منها، وهو يقاومُ الفرنسيين المحتلين، رافضا اغراءاتهم ومناصبهم التي عرضوها عليه، لتخترق عطاءاتُه الحواجزَ والحدود .. في وصل ثوري وطني حضاري مشهود.
وعندما يذكرُ للبنان طيبهُ وأرضهُ وخيرهُ .. يذكر أن منه السيد محسن الأمين. . أحدُ العظماء من أعلام النهضة العربية، الذين نقبسُ منهم، ونقف اليوم في رحاب عظمتهم هدى وإكبارا.
ولا غرو أن تذكر له بلادُ الرافدين، إقامته في ربوعها، طالب علم في النجف الأشرف ، التي أعطته، فأعطاها بوميض الامتنان .
ولا غرو أن يكرِّمَ فيه أحرارُ إيران، فضلُ مرجعيةٍ رائدة معطاء ، وهو يجول في حواضرها وبواديها حاملا عبقَ الرسول ونبعَ الرسالة .
أقرت الشامُ بفضل مناقبه، فأطلقت على أحد أحيائها اسمَه، وصار حيُ الأمين بدمشق، بدلا عن "حي الخراب" عمارا .. يعج بمئات الألوف من السكان، يحدِّثُ الناسُ بمآثر السيد الأمين .
إحدى شواخصهُ في بلاد الشام ، تلك المحسنيةُ.. مَعلماً بين مدراس دمشق مصداقيةً واستقطابا . ولم يكتف بذلك، بل أسس لتدريس الفتياتِ، مخترقا تلك الحجبَ التي أرادها المنتفعون أستارا للاستبداد بالمرأة ، وإلغاء كينونتها الإنسانية، لتحكم تلك الماضويةُ الهجينة ، مصائر الناس بما ليس له علاقةٌ بالدينِ والعقيدة .
ولم تكن مصادفةً، أن أولَ وزارةٍ سوريةٍ بعد الاستقلال ، زارت في باكورة أعمالها ، السيدَ الأمين ببيته بدمشق، لتقدمَ التهنئةَ له بعيد الاستقلال ... وليس غريبا أن يقرَّ بالفضل ، شكري القوتلي ، رئيس جمهورية سورية بعد الاستقلال ، فكان يحضرُ مجالس السيد ، ويصلي خلفه.
أيها الأخوة
إن تحدثَ كثرٌ عن مآثر السيد ، فإن الحروفَ وحدها لا تفيه، بغير تمثل لمنهجه ودربه .. وإذ نعيشُ حالةَ صلاة في رحاب ذكرى السيد الأمين، فان الألسنَ والأفئدةَ والعقول، تلجُ بنا في فضاءاته الفسيحة.. بلا حدودٍ ، وبلا رتاج .. نستضيء بمجده، ونرنو للذرى التي سمقَ فيها :
وهو في حيرةِ الشكوك يقين وعلى زائغِ الهوى تأنيب
وغني عن التعريف، في تراث السيد الأمين وحياته، انه اختار المركب الصعب وعر المسالك ، يجاهر أن :
يا قوم حَسبُكمُ التفرقُّ في المدى فالليلُ طاغٍ والضياعُ معربدُ
سار على خطى أبي ذر الغفاري رضوان الله عليه، في البقاع وفي الجبل الأشم، جبلِ عامل، الذي تذكرُ الروايات أن ذلك الصحابيَ الجليل أقام فيه منفيا إلى ربوعه .
تقحمَ السيد الأمين، لجةَ العسر، مجاديفُه الكلمةُ واليراع .. يجلو الأوهامَ، ويقفلُ على الأراجيف.. قلبُه مؤلفاتُه التي جسدته فيضَ نور.
وأي اقتحام، خمسةٌ وسبعون مؤلفا ومصنفا، وعشراتُ الردود والرسائل الجامعة .. في الفقه والعقيدة وأصول العقيدة، وفي الأخلاق والتاريخ والنحو والبيان والرحلات والمفاخرات والقصص والأدب والشعر .. حملت عنوانَ السيد في تنوعٍ وثراء، لا تستغني عنه مكتبةٌ ، ولا مفكرٌ أو مثقف . ومصنف "أعيان الشيعة" ، عملٌ موسوعيُ لا نظير له، وضع السيدَ في مصاف أكابر المؤلفين العلماء، وقد اختزلَ هذا المؤلف، من عمره وجهده، ثلاثين عاما في التعقب والمراجعة، فكان الثمرُ ناضحا والجنيُ رائعا . ولم تشغل السيد الأمين مؤلفاته عن العطاء الاجتماعي ومراجعات الناس وهمومهـم ، ولم تصرفه يوما عن النضال الوطني لبلاده وأمته وعقيدته .
رائدا.. علما.. نذر عمرَه لرسالة إصلاح اجتماعي فكري عقائدي، يستندُ إلى العقل والمنطق.. ولا يندرجُ بمظلة سلطة قمعٍ ولا بمغريات حاكم . بانتماءٍ ملتزمٍ، فكري وعقائدي شمولي .
لم يكن الدينُ ميدانَه وحده وإنما السياسةُ من وحي مبدأ في التنصيص يؤمنُ به .
رفضَ الوقوفَ بباب السلطان، واختار بابَ الله ، يحملُ بين ضلوعه كلمته تعالى :" إن هذا القرآنَ يهدي للتي هي أقومُ " .
مجتهدٌ، مجددٌ، يرى في الاجتهاد منهجا للفقه الإسلامي، وعلما بالصحيح … ضرورةً لمن يقدرُ عليه، ويمتلك شروطه بمعقولية تلغي الاستحالةَ فيه … ضرورةً تقتضيها حيويةُ الإسلام ، كدين يسرٍ وتسامحٍ منفتح على العصر، واختلاف الأزمان . دينُ وطنية وإصلاحٍ لتجديد المجتمع وتقدُمِه، وليس العودة به إلى تقاليد الجاهلية.
هو من مدرسة العلامةِ الموسوعي الفقيه بهاء الدين العاملي.
هو من مدرسة الشهيدِ الأول، شمس الدين مكي الذي قاد المقاومة ضد الاستبداد في عصر ظلمة.
هو من مدرسة الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي، الذي اغتالته يد الغدر ، كي ينطفأ نور الحق الذي حمل راياتَه .
هو من كل أولئك الذين انتصروا على رغباتهم وشهواتِهم الذاتية لينذرُوا أنفسَهم لأوطانهم وأمتهم .
رفضَ التعصبَ والعصبيات، إذ الأقربُ إلى بدائلِ المعالجة… العملُ على التعايش المنفتحِ بين المذاهب، وإضاءةِ مشتركاتها وأواصرها.. بإقرار واقعي مقنع، أن الإسلامَ ليس حكرا على أحد.. وان حريةَ التفكير والرأي متاحةٌ للجميع.. وان الخطاب الإسلامي يمكن أن يكون متعددا.. وان التعدديةَ لا يجب أن تعني مساسها بالفرائضِ أو الضرورات.. وان السياق التاريخيَ والصالح العام ، لا يقتضي التعامل بالمطلق، فتغلق المستجدات التاريخية آفاق الأصل .. بمعنى أن لا نبقى خارجَ عصرِنا بمسوغاتٍ من إضافات أملتها المصالح … من إسلام تاريخي ظهرَّ مختلفا عن إسلامِ عهد الرسول .
وبالتعايش بين المذاهب، يسهلُ إدراكُ الحقيقةِ الطائفية التي تشرذم مجتمعاتنا، وتنتفي أطروحةُ تكفيرِ هذا أو ذاك، ويغدو شعارُ " التقريب بين المذاهب " بمضامينه السلوكية والفقهية، واقعا، وليس مجردَ شعار تحولُ دونه الأفعال، أو أن يصبح الأكثرُ طائفيةً، هو الأكثرُ جهلا، بمفردات طائفته ، أو بتشخيصاتها الفكرية والفقهية، وبكيفية تشكلها وتطورها.
على قواعدَ من هذا القبيل، أدركَ السيدُ في محطاته الكثيرة، أهمية الإصلاح، فرفضَ العصبياتِ والطقوسياتِ والبدعِ والتخاريف، وأعلن الحرب بجرأة لا نظير لها على تقاليد خلفتها عصورُ انحطاطٍ مديدةٌ .. وهي العصورُ التي حولت مظاهر العزاء بالثائرين ، إلى ندب للأنفس من عاجزين ..إلى ممارسة طقوسية ، تنأى بالعقل وبالوعي ، في متاهات الاصطبار، ومهاوي التسليم ، بدلا من مقاومة الظلم والطغيان .
ولم يهب السيد أو يخش، في حربه تلك ، تخرصَ مغرضٍ، ولا تعريضَ لمنتفع .
ما أحوجَنا إلى مجددين كبار على غرار السيد الأمين، وامتُنا تتصدى إلى أشرس هجمةٍ تريدُ أن تطيح بها .
ما أحوجَنا إلى الفكر النير للسيد الأمين في هذه الفترة الحرجة لدحضِ مفتريات الصفدِ الذي يحيط بنا، لا سيما ونحن نرى ونسمعُ هذه الأيام طبولَ الفرقة تضجُ بواقعنا كي نستغرقَ في السخف ونتشرنق باللا جدوى.. نعيشُ حالةَ هجومٍ شرسٍ تتبناه محطاتٌ فضائيةٌ وصحف ومجلات مشبوهة ، تريدُ لنا الانغماسَ مجددا في التشرذُمِ الطائفي، كي يستمر ضعفُنا ، مهزومين من الداخل .. من انفسنا، فلا نخرج من سفه التاريخ .
يريدون إثارةَ غبارِ الزمن كي نفقدَ الإبصارَ كليا… يريدون إعادةَ السيوف التي قتلتنا على مدى التاريخ ، كي تنغلقَ بواباتُ المستقبل على أمتنا، في وقتٍ متزامن مع تعرضِ بلادنا لأشرسِ هجمةٍ أمريكية صهيونية، تستهدفُ الأرض البشر … تستهدف تسفيهَ واقعِنا، ومصادَرة إرادتِنا، واستباحَة وطننا، ووضعَنا على هاوية المجهولِ ، في أكبر تهديدٍ وأخطره للأمن الوطني والقومي والإسلامي .
ما أحوجَنا إلى مجددين كبار على غرار السيد الأمين، يدركون اختلالَ الموازين ، بين التمسك بالموروث ، وبين التطرف بنفيه كليا.. فلا نعيشُ محاصرين بشرنقات الماضي، نتعصبُ للمألوف ، لمجرد أنه مألوف .. ونتمسكُ بتسلفات من زمن لم يعد قائما، فيستمرُ هذا العطبُ التاريخي الذي ينغص علينا، ويكبحُ حركة مجتمعنا باتجاه المستقبل .
نعيشُ حقبةً حالكةً ، لولا شهاب من نور المقاومة الذي صار الجنوبُ اللبناني، رمزا لها… معلما ينيرُ دربَ أولئك الأبطالِ الأبطال ، في فلسطيننا الغالية ، الذين يعيدون اليوم كتابةَ تاريخِ أمجادِ امتنا، ويواجهون مؤامرةَ اغتصابٍ ثانٍ لبقيةٍ من فلسطين.
نستذكرُ هنا ذلك النداءَ الجهادي العظيم الذي أصدره السيدُ الأمين للعرب والمسلمين، قبيل الاغتصاب الأول عام 1948، ويشرحُ فيه الظروفَ التي تمر بها فلسطينُ آنذاك ـ شطر الشام الجنوبي ـ ( كما يسميها ) بما نصه:
(في كل يوم نضالٌ واقتتالٌ ودمٌ بريءٌ يهدرُ وحقٌ مهضومٌ يستصرخُ ، وفواجعُ في الأنفس والأموال والثمرات ، وصراعٌ قائمٌ بين الحق والباطل ومن خلف الباطلِ دولةٌ من أقوى الدول عديدا وعدة ،أما الحقُ فهو أعزلٌ إلا من قوة الإيمان ، مخذولٌ إلا من نصرةِ العقيدة … (حتى يقولَ السيد ): فو الله لا يستسِغ الغمضَ من بات وأخوهُ مفترش القتاد ، ولا تطيبُ الحياةُ لحر يضامُ أهلوه وذووه ،وأيُ لذةٍ للعيشِ والبلاءُ محيقٌ والقلقُ مساورٌ ، وأي سعةٍ تطيبُ إذا شكا الضيقَ قريبٌ حميم )
ألا ينطبقُ هذا الوصفُ ، وهذه الحميةُ ، على ما يجرى اليوم في فلسطيننا الغالية ؟ ، وقبسُ المقاومةِ ، يسبقنا جميعا ويتصدى لاغتصابٍ جديد .
هؤلاء المقاومون، هم أملُ ورجاءُ هذه الأمة، وهي تعيشُ الزمنَ الإسرائيلي في القرار الرسمي العربي ، خارجَ إرادةِ وقرار البلدين سورية ولبنان والرئيسين الأسد ولحود ، وبرديفهما الإسلامي إيران الثورة .
هؤلاء المقاومون يتكفلون اليومَ بنهوض جديد ، يهيء لطوق عربي غير مكسور، و يبشر بقيادة فلسطينية .. لا تهزل ولا تتهاوى بمستنقع التنازلات ، والوطن على شفا اغتصاب جديد.
وما دام المقاومون على هذا الدرب، يعلمُنا التاريخ ، أن الشعوبَ لا تموت ، مادام فيها نبضُ رفض واعتراض .. وإنها تنتفضُ وتنهض حتى من رماد.. وأن سيطرةَ قطبٍ واحد في العالم ، لا يمكن أن تدوم.. وأن كيانا يقومُ على العدوان والاغتصاب، هو كيانٌ هجينٌ ، لا بد أن يتآكل وينكفئ .. وأن امتَنا لن تمحل ، وقد مرت في تاريخها بأزمات كثيرة .
ما دام الدمُ اليوم ينطقُ بفلسطين.. مادام الجنوبُ اللبناني، يصدح بطلب الشهادة .. فان وطننا يتشكل من جديد .
ما دمنا نعيشُ سنا حافظَ الأسد ووهجَ بشارَ صنوا وضيغما، فان الامانَ باقٍ .. يكبرُ ويتالقُ أكثر .
وهي علاماتٌ في أن لا نقنطَ أو نيأس من جني لا بد آت .
فلا تأسَ أيها السيدُ محسن الأمين ، أن عظمت البلوى بناجذةٍ فينا، فإن الأرض بدأت تزدحمُ بالحانقين المتمردين المقاومين، وليس من اصطبارٍ للعاجزين ولا تضرعٍ للخائفين .
سلامٌ لك من بلاد ترنو إليك، وتفاخرُ بك شمما وجهادا، وتنهل من مجدك.
طبتَ مُقاما، وطاب ثراك، وتقبل من قلوبنا وعقولنا دارا وعرفانا.